الثنائية الشيعية: نبيه برّي لا يصير استثناءً

الثنائية الشيعية: نبيه برّي لا يصير استثناءً
الثنائية الشيعية: نبيه برّي لا يصير استثناءً

عند الاشتغال على دراسة الشيعية السياسية، يقتضي الأمر عدم اختزال الكتلة الشيعية بثنائيتها التي تتصدر الواجهة السياسية حالياً. فالكتلة المنوَّه عنها، تتشكل من مظاهر اجتماع وسياسة واقتصاد وثقافة. أي، من مجموعة عناصر ومكونات بنيوية تتجاوز ما هو مطروح من سلوكيات سياسية، وما هو معروض من بضاعة القول باسمها، الغث منه والسمين. لذلك سيظل من الأجدى، بل من الواقعي القول، إن التعبير الشيعي الشامل عن ما تختزنه الشيعية الاجتماعية في تحولاتها، هو أوسع وأعرض من أن تحيط به ثنائية حركة أمل وحزب الله اللبنانيين. لقد سلكت الشيعية في لبنان مساراً طويلاً، وتخطت محطات عديدة، جمعت بين الكياني والهوياتي والعروبي والوطني والما فوق وطني.. هذه المحطات التحولات، وهذه المسيرة الصيرورة، مقصية من الكلام الذي ساد خصوصاً بعد تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الصهيوني.

إطلاق اليدّ
وقد ناب عن مقام السيرورة والصيرورة حديث السلاح والتحرير فقط، أي الكلام المكرور، الذي صار أجوف من مضامينه، بسبب فقدانه للمصادر المادية التي أنتجته، ومن خلال إفقار مضمونه واستبداله بمنوعات من تطلّب "الوفاء والعرفان بالجميل" من الوطن الذي حُررت أرضه. أي أن صاحب المهمة الوطنية الشيعي، يريد ثمناً لما قام به من واجب وطني بديهي، متمثل في قتال الاحتلال الأجنبي. ويريد الشيعي ذاته، "المحرِّر"، إطلاق يده في البنية اللبنانية وفي مؤسساتها، على نحو تصير أرضَ استثمارٍ خاصة به، بعد أن زرعها بما يعتبره "شجره" المخصوص، الذي تعود ملكية جناه حصراً إليه، من دون أي مواطن لبناني سواه.

لقد أدى سلوك الثنائية الشيعية منذ ثلاثة عقود، أي منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي، وحتى تاريخه إلى إفقار الشيعية السياسية بنيوياً، وإلى تبديد غنى ورأسمال مكوناتها، التي تطورت واغتنت تصاعدياً، منذ نشوء دولة لبنان الكبير، مروراً بنيل الاستقلال اللبناني، وحتى تحقيق ما يمكن اعتباره الاستقلال "الثاني"، الذي أُنجز مع تحرير الأرض اللبنانية في العام 2000، مع توفر جملة من الظروف الدولية والإقليمية والداخلية، ودائماً بفعل مقاومة اللبنانيين، كل اللبنانيين، الذين تحملوا كلفة مقاومتهم في السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي الميدان. باختصار، الشيعية السياسية اليوم مفقرة رغم ما تتوسم لها ثنائيتها من غنى. وهي مقيدة رغم ما تصرح به ثنائيتها عن مجالات الحرية والاجتهاد فيها. وهي مسموعة الصوت كتغريد خارج سرب الاتساق الوطني، على الضد مما تصدح به ثنائيتها، من الحفاظ على الصيغة الوطنية اللبنانية. في الأمر معضلة، بل في الأمر مأزق، وهذا وإن لم يُسقط أو يُستبعد الشق الوطني منه، فإن التركيز والتصويب على شقه الأهلي الخاص، يشكل البداية المطلوبة لكل بحث فيما صارت إليه أوضاع الشيعة وأحوال سياسة ثنائيتهم ومستقبل هذه الأوضاع والأحوال.

الاختلاف والتشابه
وفي سياق البحث إياه، ومع أخذ العلم بتحالف الثنائية الشيعية الحالية، فإن الحديث التأريخي البنيوي عن كل من حركة أمل وحزب الله، يجب أن يحاذر إقامة التطابق بينهما في السياسة وفي التاريخ، وفي التأسيس وفي تطور البنية وفي تبدل السياسات، إذ لا يخفى أن النشأة "الصدرية"، نسبة إلى الإمام موسى الصدر، تختلف عن النشأة "الخمينية"، نسبة إلى الإمام الخميني، ومصادر الاختلاف عديدة، من الظروف التي أحاطت بنشأة وتأسيس الثنائيتين، إلى "المرجعية" العقلية والاجتهادية التي أفتت بدواعي قيام كل منهما. باختصار: قامت الصدرية على الوسطية والتوسط والاعتدال، وتلمست خطاها على دروب البنية اللبنانية وضمن تعرجاتها، وقامت الخمينية على الخطاب الثوري الذي لا يعترف بالحدود ولا بالخصوصيات البنيوية.

ما سبق من تمييز يضع الإطلالة على مواقف الرئيس نبيه بري الأخيرة في سياقها الضروري الذي تقع على القارئ مهمة تشابهه التعطيلي للسياق الدولتي، مع ما هو معروف من سياسيات تعطيلية لحزب الله. لكن وتكراراً، التشابه لا يعني التطابق، على الرغم من كل ما يجمع التنظيمين من سياسات يومية معلومة. عن الموقف "البرّواي" قبيل انعقاد القمة العربية في بيروت، يجب القول إن نبيه بري رئيس المجلس النيابي، قد أخلى مكانه لنبيه بري رئيس حركة أمل، وللأمر أسبابه السياسية والتنظمية، التي لا تحجبها كثرة التصريحات الدخانية. وما يمكن تبيّنه من خلال هذا الدخان، أن ما تعانيه حركة أمل من ضعف بنيوي وتنظيمي، لا تمكن معالجته من خلال "شد العصب" الوجداني، أي باستحضار قضية الإمام موسى الصدر مناسباتياً وفجائياً. كذلك لا بد من القول إن ما استشعرته حركة أمل ورئيسها من استهداف بفعل ما جرى اعتماده من مواقف حيال الخراب في سوريا، لا يجوز الرد عليه بتقديم طلبات "الاسترحام" للسلطة في سوريا. من منطلق الحكمة الوطنية، يجب تشجيع مسلك النأي النسبي الذي اعتمدته أمل "كلها". ففي الأمر مصلحة داخلية وطنية لبنانية يجب الثبات عندها، ولا يجوز النكوص عن مواقعها، ولتكن الحصانة، أو التحصن، بمجموع الداخل اللبناني وليس بالقفز فوق هذا الداخل بسياسات تفوح منها روائح عدم النجاة من أسر الهيمنة والتبعية.

الواجب الوطني
ولكي يظل الحديث على الجادة، وإذا كان الأمر أمر مخاطبة الشيعية السياسية من منبر مصالحها، لكل ذلك، سيظل ضرورياً الانتباه الجدي إلى أن مناخ حركة أمل ومحيطها الشعبي يشكلان ممراً دورياً لكل حركة شيعية تحاول مقاربة مصالح الكتلة الأهلية الشيعية من ضمنها، وبالاتصال مع مجموع الكتل والمصالح الأهلية اللبنانية الأخرى.

الآن، صارت حركة أمل أقل "صدرية"، أما استعادة الصدرية فدونها مشقّات ومعوِّقات، لعل أبرزها ما صار إليه "وضع الأمانة على يد حامل الأمانة" أولاً.. ومن قبل سائر الذين جعلوا للأمانة أنداداً، فأضاعوا فحوى ومعنى وجدوى كل أمانة.

ننتظر الاستثناء، فهل يقدر نبيه بري على أن يكون استثناء.. ودائماً من موقع الصدرية وواجباتها الوطنية؟.

السابق النواب يقر 12 قانوناً ويوجه 159 سؤالاً
التالى ترجيح ازدهار السياحة في البترا